Sunday, December 17, 2006

المسرح التجريبي



بدأ المسرح كشكل طقسي في المجتمع البدائي ، وقام الإنسان الذي انبهر بمحيطه بترجمة الطقس إلى أسطورة ، ولتكون الصورة هي مقدمة للفكرة التي ولفت آلية الحراك العفوي للأداء الوظيفي للجسد ( غريزي ) ، ثم الانتقال بهذا الحراك إلى محاولة التحكم به عبر أداء طقوس دينية ( سجود ، ركوع ، تأمل .. ) أو فنية ( الرقص في المناسبات والأعياد ..) أي ولادة حركات تمثيلية أداها الإنسان للخروج عن مألوفه ..
إذن منذ البداية كان الجسد عبر الحركة معملا لتوليد إشارات وأفكار التقطها فيما بعد الإغريق وأسسوا مسرحهم التراجيدي لنقل أنشطتهم ( زراعة ، بناء ، بحث، حروب ، وأفكار..) إلى فرجة عبر المسرح ، ومنذ ذلك الحين والمسرح يشكل عنصرا فنيا أساسيا في المجتمع ، ويرصد جوانب مختلفة للحياته ، ومع كل مرحلة جديدة نجد أن المسرح يواكب تغيراتها وفق رؤى غير تقليدية ، و تبعا للشرط ( الزمكاني ) شهد هذه الفن قدرة كبيرة على التجدد من المسرح التراجيدي إلى الواقعي واللامعقول ومسرح الغضب ، والسياسي ، والاستعراضي ، والاحتفالي ، والآن التجريبي :
ظهور المسرح التجريبي :
في كل مرحلة من مراحل تطور المسرح تحمل بدون شك بعدا تجريبياً تتمثل إشكاليات تلك المرحلة وتعبر عن ظروفها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ..
جاء المسرح التجريبي ليؤكد قدرة المسرح على هضم التجارب السابقة وإعادة صياغتها وفق نهج جديد يتماشى والتطورات الهائلة التي تحدث ، والخروج من العلبة الإيطالية إلى الفضاء المفتوح ، وتناول عناصر العرض المسرحي التي وضعها ستانسلافسكي ( التكامل والتوازن بين الكاتب والمخرج والممثل والجمهور) بطرق مختلفة تماما ..
وبما أن أهم سمة لعالمنا المعاصر هي التحولات المعرفية والتي هدمت كثيرا من الحواجز و كانت مقدمة لولادة القرية المعرفية الكونية ، فجاء المسرح التجريبي ليواكب هذه التغيرات ،
و تزامنت ولادته في العالم كله دفعة واحدة تقريبا ، خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين ، لم يحمل شرف ولادته اسما محددا كمسرح اللامعقول على يد يوجين يونسكو وصموئيل بيكت وفرناندوا أرابال .. هو مسرح الكل بامتياز أوربي – عربي – أمريكي.. الكل ساهم ويساهم في تطويره ووضع خصائصه ..
خصائص المسرح التجريبي :
يمتاز المسرح التجريبي بتجاوزه لكل ما هو معلب ومألوف وسائد ومتوارث و الإيتان بالجديد واختراق الثوابت عبر تيمات تتمثل في تحميل العمل التجريبي إمكانية تجاوز الخطوط الحمراء البنوية والشكلية من خلال ( جسد ، فضاء ، سينوغرافيا ، أدوات ) .. ومنها :
- تفكيك النص و إلغاء سلطته ، أي إخضاع النص الأدبي للتجريب ، والتخلص من الفكرة ليقدم حالة فنية وليس أفكارا أو ترجمة حرفية للنص ،وبالتالي خلق فضاء أوسع للأداء عبر صيغة ( بلو ليفونية) ذات دلالة معبرة .. كما توظف الإضاءة والحركة والرقص على حساب النص .
- المخرج هو المحور في العمل .
- الممثل هو أداة في تشكيل العرض الحركي وتتوزع مساحة السرد على الشخصيات وفق حوار مركب.
- السينوغرافيا هي البطلة : يتأتى دور التعبير الجسدي في توصيل الحالة الفنية وكأن الحركة هي اللغة التي يضاف إليها الإشارات والأدوات المتاحة لمحاكاة المتفرج ..
أسئلة مطروحة أمام المسرح التجريبي :
تقف أمام المسرح التجريبي كثير من الأسئلة الهامة التي تطرحها عروضه والتي كان آخرها في القاهرة ( المهرجان التجريبي السادس عشر ) ، ويحاول المسرحيون تجاوزها عبر مختبر العمل ، ومن هذه الأسئلة :
- لماذا لا تكون اطروحات العرض أكثر منطقية عبر توظيف عناصر العمل وفق توليفة متكاملة للغة والحركة والإشارة ؟
- ماذا عن الهموم المعاشة التي يبتعد عن تناولها بجرأة والتي تبعد الجمهور عنه ؟
- لماذا لا يستفيد من التراث الشعبي ؟
- ماذا عن الغموض ؟
- لماذا القسرية في إقصاء الخاص لصالح العام ؟ وهل يمكن أن ينجح ذلك ؟
- ماذا عن اللغة ؟ وهل هي عائق أمام انتشاره العالمي ؟
- ماذا عن المتلقي والقدرة على محاكاته ؟
بعيدا عن هذه الأسئلة يبقى التجريب ضرورة من ضرورات الحياة بمجملها ، والمسرح يطرح أسئلة كبيرة وهذه إحدى مهامه الأساسية ، ويعكس إلى حد كبير الهواجس التي تعتري باطن الإنسان قبل ظاهره ، ورغم الأسئلة المطروحة وجديتها ، يجد المسرح نفسه يحمل هم التجديد والتصدي لقضايا معاصرة ويوحد النظرة إليها عبر رؤيا متقدمة ،أو على الأقل رؤيا يمكننا من خلالها فهم ما يجري حولنا عبر صيغ جمالية وفنية ، لكنها في جوهرها تمثل جزءا من مكاشفة يتصدى لها المسرح كفن أزلي باقٍ مادام الإنسان موجودا .

Saturday, December 2, 2006

النمطي والتجريبي في العرض المسرحي


حركة النص المسرحي من خشبة رف المكتبة الى خشبة المسرح يمر بانعطافات جدية وعنيفة واشد من ذلك، فحين يكون التجريب تنأى بذلك سلطة الواحد”المؤلف“ وتقترب منه تعددية المراكز التي يمارسها عليه”المخرج “ مع مجموعته الادائية وهنا تتحول الكلمة ويتحول الحوار الى مقطوعة اخرى من خلال امتصاص روح الكلمة وتحويلها الى نسيج من حركة الجسد وضوء وموسيقى ويتحول فضاء العرض الملبد بالكلمات بعد ان نعقد وجوده الفيزياوي الى منطقة الدراما ذلك الاعصارالقوي الذي يعلن فيه عن تمزيق النص ودفع النمط ويرميه في مقر التكرار وقواعده المتجمدة في هذه اللحظة يمارس الوعي سلطته في النبوءة وتوقع المستحيل ورؤية الوجود من ما وراء الافق تاركاً المألوف والبديهي والمتسلمات والاعتيادي على خط نهاية الاشياء ولهذا يمتطي المخرج”التجريبي “ صهوة الخارق والاسطوري والمعجز المنفلت من جاذبية النمط والمألوف والممل.

المخرج التجريبي يمتطي براق النص المستحيل ليصل الى قاب قوسين من الضمير الحي المطلق المثالي.
التجريب بمفهومه الاطلاقي لا يمكن له ان يلامس الحماقة والادعاء والتقليدي وسفالة الكذب والتخرص انه شيء من استفزاز الخيال واشتعال الاحساس، انه كالماس الباشط يقطع كل ما هو اقوى منه ولا يمكن للاقوى ان يقطعه، اداة التجريب الاولى الاشتغال هي ماسة الجسد التي يقطع بها المستحيل حيث يتوقف وهنا تكمن نبوءة التجريب من التقاطات المخرج للخطة سابحة في فضاء النص او ميتة في ثنايا الحوار او في زاوية مظلمة فيضيئها التجريبي.
ولولا النبوءة لما كان المالف”شكسبير “ تجريبياً ولا المخرج”كوردبن كريك “ مخرجاً تجريبياً، عند الاول تتفجر التاويلات والتفسيرات وتحدث طوفاناً هائلاً من المعاني لخلق معنى آخر يكثفه التفجير لينفجر كاللظى ويتسع دور الجسد عند الثاني ليبلغ اقصاه، هذه اقاصي التجريب لا يمكن ان تحدها حدود معينة انه عالم من اللانهايات عالم يتناول الواقع ويثور عليه عالم من المثال النسبي يلامس المطلق ويجاوره وهذا هوقعر لا يمكن للافكار او الايديولوجيات او المعتقدات ان تستقر فيه، في التجريب لا يوجد معنى واحدا بل معاني متناقضة.
تكتيك لحظوي ولهذا نرى شكسبير في لحظة واحدة ناسكاً وعربيداً وفي آن واحد، وكورون كريك قديساً، الاول يحول عربدة الدراما الى فصل من القداسة والثاني مادة الجسد الى رمز، الاثنان يبتعدان عن الضبابية انهما يقفان تحت الشمس اكثر مما ينبغي في حين يمكث مخرجو الانماط تحت المظلات وفي المعاطف الواقية وفي الضفة الاخرى يقتصر التجريبي في كل لحظة عرض المخاض وجمر ولادة جديدة ولهذا نجد نمطين يستنسخون في كل عرض اعمالهم دونما تطوير وكانهم في ذلك العمل يضعون اوراق كاربون في البوم العرض ويغادرون قاعة العرض بلا قراءة جديدة وهكذا تدور اعمالهم في كل مرة بينما يد المخرج التجريبي ولادات قليلة لكنها تترك اثارها كما شعراء الواحدة، ولواكتمل العرض عند التجريبي وهذا يعني انها القيامة برغم ان كل عرض تجريبي هو قيامة يوم لا نعرفه الا بعد موت الجسد وانعتاق الروح وانتصار المطلق واستبصار المجهول ويرتكز مفهوم التجريب واختلافه عن كل ما هو نمطي بالاتي:
يممن ان نحذف حواراً من سطر ما ونلقي باحدى الشخصيات فهذا بديهي ايضاً ولكن حينما يقتضي مركز النص لم يلتقطها احد من قبل فهذا هو التجريب او التجريبي.
يستطيع الكثير والكثير جداًَ ان يقبلوا المقدس في النص وهذا يحصل في كل يوم ويشح الماس التجريب يستنفز الاخر بالماس وقمم النمط يلقى بالمواقد، واهمية التعليق على ضرورة اهمية شكسبير.
ان الوعي في التجريب ليس من قضايا الناس الملحة او المهمة انه عمل من اعمال المؤسسات بل من اعمال الافراد، هؤلاء الذين ينوؤن باهمال المجتمع وابتذالات الواقع وتكرار الحياة اليومية ولهذا لا يجبر التجريبي على تقديم الانماط انه يمثله، يعرفه، يفهمه، غير انه يتعالى عليه ليقدم عرضاً تجريبياً فيه مسافة بين ما هو ممكن وما هو مستحيل ولهذا يكثر النمطيون ويندر التجريبيون، ولكن ينظر الى مخرجي النمط بوصفهم شخصيات اجتماعية مهذبة، وينظر الي مخرجي المسرح التجريبي بوصفهم آلهة متعالية.
إعداد : عبدالله خالد